أدهشني فيلم "Incendies"... فيلمٌ أحببته كثيراً، وتأثرت بجميع أحداثه، من البداية، حتّى النهاية القوية، القاسية، وغير العادية... كانت تلك المرة الأولى التي أشاهد فيها فيلماً كندياً، أعجبت بالقصة، وأداء الممثلين وسياق الأحداث...
أعجبني إخراج الفيلم، وكيف نقلنا من زمن إلى آخر بطريقة جميلة واضحة لا تربك المشاهد، وطريقة ربطه للأحداث بعضها ببعض من بداية الفيلم حتى نهايته، وربطه بين الأحداث والأجيال وشخصيات الفيلم. كما استطاع المخرج التعبير عن الألم الحقيقي في الفيلم والمأساة، بمساعدة الممثلين الذين أتقنوا أداء أدوارهم..
مشاهد كثيرة تأثّرت بها أثناء مشاهدتي للفيلم، بعضها القاسي وبعضها العاطفي... من أقسى المشاهد كان مشهد قتل ركاب الحافلة لأنهم مسلمين... وهذا المشهد يعكس الطائفية التي كانت مترسخة في زمن الحرب الأهلية. ويعزز ذلك مشهد خلع نوال للصليب من رقبتها ووضع الشال على رأسها ليسمح لها بصعود الحافلة، واعترافها بانتمائها المسيحي لإنقاذ نفسها ومحاولة إنقاظ طفلة، باعتبارها ابنتها، من الموت الذي لحق بركاب الحافلة المسلمين. لكن الطفلة تقتل بالرصاص حين تعود الى الحافلة لتنادي أمها. هذا بالإضافة الى الكثير من المشاهد القوية منها ارتماء نوال على أرض السجن بعد اغتصابها من قبل أبو طارق، مشهد الولادة الصعبة للطفل الأول وللتوأمين، فكلا الولادتان كانت في ظروف صعبة جداً. وأعجبني مشهد إطلاق نوال الرصاص على قائد الميليشيا المسيحي، وأعجبتني شخصيتها القوية والمستقلة...
ويعكس الفيلم المجتمع الذكوري من خلال قتل عشيق نوال من قبل أفراء عائلتها الذين يتهمونها بتدنيس اسم العائلة، وبقاء هذا الأمر راسخاً في تلك القرية إلى درجة عدم الترحيب بابنتها جين بعد سنين عدة..
لفتني في الفيلم الإعتماد والتركيز على القصة والفكرة أكثر من الأمور التقنية كالتصوير والإضاءة والموسيقى؛ فكانت الخمسة وأربعون دقيقة الأولى من الفيلم خالية من أية موسيقى فكانت المشاهد صامتة باستثناة الأصوات الطبيعية والحوار...
كان اختيار الممثلين للفيلم اختياراً صائباً، حيث أتقنوا أداء أدوارهم بشكل مذهل لدرجة تُشعرك أنهم حقاً يعيشون الدور، بتعابير الوجه، اللهجة، ردود الفعل.. كما ان اختيار أماكن التصوير واختيار اللباس وكتابة السيناريو والحوار، كل هذه الأمور كانت ناجحة برأيي وميّزت الفيلم..
"Incendies" ترشح للفوز بأوسكار كأفضل فيلم غير ناطق بالإنجليزية، وهو من إخراج دنيس فيلنوف. الفيلم مستوحى من مسرحية الكاتب اللبناني وجدي معوّض، قصة التوأم اللبناني-الكندي جين وسيمون مروان. ويؤدي دورهما مليسا ديزورمو-بولين ومكسيم جودت. في سياق الفيلم، تموت والدتهما نوال مروان (لبنى الزبال) ، لتترك لهما رسالتين تطلب منهما البحث عن والدهما وأخيهما، ليقعان في متاهة طويلة في البحث، خاصة أنهما لا يعرفان أن لهما أخ أو أب. ويتعرضان أثناء البحث لصدمات كثيرة منها رفض القرية لنوال اجتماعياً، اطلاقها النار على قائد ميليشيا مسيحي، دخولها السجن، تعرضها للاغتصاب، ولادتهما داخل السجن والصدمة الأقوى وهي أن الأخ هو نفسه الأب. فلم يكن سيمون وجين يعرفان شيئا عن ماضي أمهما.. ويتناول الفيلم في سياق درامي قصة تعكس المآسي التي ترتبت على الحرب الأهلية اللبنانية.
مدة الفيلم مئة وثلاثون دقيقة. تقوم الممثلة البلجيكية لبنى الزبال بالدور الرئيسي في الفيلم، ويؤدي بقية الادوار ممثلون يتحدثون بلهجات فلسطينية وأردنية وعراقية ومغربية.
قلّما أشاهد فيلماً وأجده مميزاً، الأفلام تشبه بعضها البعض بالأفكار والحبكة والإخراج والنهايات المتوقعة... أعجبتني نهاية الفيلم، فلا يمكن لأحد أن يتخيل أن تكون النهاية هكذا... شكلت النهاية صدمةً كبيرة لجين وسيمون، وكذلك بالنسبة إلي.. ويمكن القول في النهاية أن فيلم Incendies عمل مميز جداً ويستحق نيل جائزة أوسكار، ويستحق أن يشاهد مرّة ومرتين وأكثر...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق