فرح أنطون في "ظلال الأرز في وادي النّيل"

فرح أنطون هو الشخصية التي استحوذت على اهتمامي الأكبر من بين جميع الشخصيات الواردة في كتاب "ظلال الأرز في وادي النيل" للكاتب فارس يواكيم. وشعرت إلى حد ما بتميز هذه الشخصية بشكل كبير عن غيرها وتحليها بالأفكار العلمانية التي أميل اليها وأعجب بها. إضافة إلى هذا ، فإن كون أنطون جامعاً بين مختلف الانجازات، الصحافية، الأدبية والعلمية، المسرحية، الفكرية والسياسية، جعله متميزاً أكثر وأكثر بالنسبة إليّ...

لم أكن أعرف شيئاً عن فرح أنطون قبل قراءتي للكتاب.. ومن خلال الصفحات السبعة التي خصصها يواكيم للحديث عن أنطون، استطعت معرفة الكثير عنه وأحببته وأردت أن أبحث عنه أكثر، للحصول على المعلومات التي يمكن أن أخبرها للناس عنه...

إن الأسلوب الذي اعتمده الكاتب في التحدث عن أنطون تميز بالإيجاز والدقة والتعابير الواضحة الإخبارية البعيدة كل البعد عن المبالغة والإنشاء. وكان الكاتب يعرض المعلومات بطريقة تاريخية، أي بتدرج زمني، منذ ولادته حتى وفاته، مستعرضاً أهم انجازاته وأفكاره...

لفتني اسمه "فرح"، وأعجبت بثقافته... أعجبت بتأثّره بأفكار المصلحين الأوروبيين "روسو" و"فولتير" و"رينان" و"مونتسكيو"... أحببت أفكاره السامية، ودعوته للتسامح الديني والسياسي والاجتماعي بين المسيحيين والمسلمين. وزاد إعجابي به عندما علمت أنه آمن بالاشتراكية واعتبر أنها تحمل الخلاص للإنسانية..

أراد أنطون عالماً أفضل للبشر وفسّر أنه لا يكون إلا بحب الإنسان للإنسان الآخر بغض النظر عن دينه أو لونه أو عرقه. وأراد أن ينشر في الشرق العربي النظريات العلمية والفلسفية والاجتماعية التي هزت الغرب وأطلقته في الآفاق الواسعة الجديدة، لعله ينتفض ويخطو خطوات واسعة وجريئة في طريق التحرر الفكري والرقي الاجتماعي والعلمي.

أعجبت بكتاباته "الجريئة" في العصر الذي عاش فيه ، وأفكاره التنويرية التي تدعو إلى التسامح ونبذ التعصب ، واحترام عقول الناس ، عدداً من الكتاب السلفيين ورجال الدين المسلمين والمسيحيين ، فكتبوا منتقدين فكره ، متهمينه بالإلحاد والعلمانية.

أحببت أسلوب الكاتب حين تحدّث عن خطاب أنطون العلماني ، وكون العلمانية عنده لا تحارب الدّين إنما بفصله عن الدّولة . وإذا كان أنطون مع العلمانيية ، فكان يواكيم يفسّر ما شرحه الأول عن أسباب فصل الدين عن الدولة مما يقرّب الفكرة للقارئ...

شعرت حين قرأت الصفحات القليلة عن أنطون بثقته بنفسه وطموحه وإرادته القوية والجدة في أفكاره ، ما جعلني أبحث أكثر عنه في المواقع الالكترونية لأجد أموراً كثيرة أغفلها يواكيم بسبب ضيق المساحة ربما ؛ فبالنهاية هو يريد كتابة سيرة بسيطة ليتمكن من المرور بجميع الأسماء...

ومن الأمور التي عرفتها بعد أن وسّعت أفق اطلاعي على تفاصيل حياة أنطون، اهتمامه بالمرأة حيث خصص لها حيزاً في مجلة "الجامعة" ؛ كما أنشأ في العام 1903 مجلة (السيدات والبنات) وأوكل أمر إدارتها إلى شقيقته الأديبة روز، وهي مجلة كانت تعنى بالجانب النسائي وأهمية تعليم المرأة وتحريرها وتوجيهها بما ينسجم مع دورها البيتي والاجتماعي والإنساني.

فرح أنطون مناضل سياسي اجتماعي وفكري، وهو من أبرز الذين حملوا هم التقدم والنهضة في المشرق العربي –الإسلامي. ترك نتاجاً فكرياً وأدبياً غزيراً، تمثل في "الجامعة" التي أصدرها سبع سنوات وفي عدد من الكتب والروايات والمسرحيات...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق