الدين تربية وأخلاق، يبدأ الفرد بتلقيه من المنزل وينتقل ليتحول الى المجتمع كالمدرسة والأقارب والأصدقاء. الإعلام هو إحدى الوسائل التي تعطي للدين مساحة كغيره من الأمور الموجودة في مجتمع الفرد وحياته اليومية... كثيرون يعتبرون الدين ضرورة في حياتهم اليومية، ويسعون الى تعليم أولادهم الدين على أصوله. أما البعض الآخر، فيفضل عدم إعطائه تلك الأهمية الكبرى. من الملاحظ اليوم، وفي إعلامنا اللبناني بشكل خاص، تزايد الإعلام الديني حيث نشهد ظاهرة تخصيص مساحات دينية كالبرامج التي تعطي دروسا في الدين. هنا، نجد إشكالية حول حقيقة ماهية دور هذه البرامج. فهل إعطاء الدين مساحة في الإعلام أمر إيجابي من ناحية التربية؟ أم أنّ لتلك المساحة الدينية جانب سلبي وراء دورها التربوي التثقيفي؟
تختلف وجهات النظر ما بين مؤيدين لفكرة إعطاء الدين مساحة في الإعلام ومعارضين. البعض يعتبرون أن البرامج الدينية إيجابية وتقوم بوظائف متعددة ومن أهمها أنها توجه أطفالهم نحو الطريق الصحيح وتلقنهم التعاليم الدينية والأخلاقية مهما كانت ديانتهم. ويعتقد هؤلاء أن هذه البرامج توفر على الأهل تفصيل الدين لأولادهم وشرح فكرة الله والوجود والكون وغير ذلك من أسئلة تدور في ذهن الأطفال.
لكن إذا نظرنا الى ما هو موجود في الواقع، نرى أن الاعلام اللبناني بطبيعته إعلام مسيس طائفي وإذا كان وجود الدين في البرامج التلفزيونية والإذاعية حكراً لطائفة معينة، نرى أن هذه البرامج غير كفوءة وغير قادرة على إيصال الثقافة الدينية والاجتماعية للجمهور. إضافة إلى ذلك، الواقع يعكس لنا حقيقة عدم إعطاء كل دين حقه في المساحة الاعلامية المخصصة للدين في وسائل الاعلام. وبالتالي، هناك تهميش للأقليات الدينية في لبنان كالدروز والبوذيين وغيرهم. فلا تكرّس وسائل الاعلام اللبنانية حرية المعتقد وحرية الرأي بل تفرض رأياً واحداً وتعرضه للجمهور.
وإذا أردنا الحديث عن الآلية المتبعة في البرامج الدينية، نرى أنها تعرض المواضيع بطريقة غير مدروسة بشكل جيد وغير مستندة الى أمور علمية موضوعية ودلالات مقنعة. كما أننا لا نجد في المساحة المعطاة للدين في الاعلام أي معلومات تثقيفية أو قيم إجتماعية التي يجب ان تكون هي الغاية الأساسية من هذه البرامج. ومن الناحية الانسانية، ينبغي احترام التعددية في حرية المعتقد وحرية الدين وحرية التعبير وحرية الرأي التي تكرسها القوانين. لكننا في البرامج الدينية، نجد أن كل ما تبثه وسائل الإعلام يقع ضمن قتاعاتها وكما هو معروف ان جميق القنوات اللبنانية تعد، بحسب دراسات عدة، طائفية كما هو النظام السياسي في لبنان وتطبيقه على أرض الواقع. وبالتالي، لا يمكن للإعلاميين الا الخضوع لسياسة الوسيلة الاعلامية؛ ففي النهاية، ان البرامج الدينية هي جزء من الخطة الاستراتيجية المتبعة في سياسة القناة.
وإذا أصر الإعلام اللبناني على تخصيص مساحة للدّين ينبغى أن تقدم الدين بصورة مبسّطة وشاملة. مثلاً، أن تكون هذه البرامج ضمن الإطار التثقيفي، فتقدّم صورة أو نبذة عن كل دين بالتساوي. مثلا، تتناول كل حلقة ديناً معيناً بتاريخه ومعتقداته. وتقدمه بصورة موضوعية وتختار مقدم البرنامج بطريقة دقيقة جداً لتتنافى الحيادية والدقة والشفافية في طرح الموضوع. كما ينبغي إفساح المجال أمام المشاهدين بالتعبير عن آرائهم وأفكارهم من خلال الحوار والمناقشة واستضافة شخصيات مثقفة قادرة على إيصال الأفكار الصحيحة للجمهور وعدم تفسير الأمور من منظارها...
ولأن قيام هذه الشروط في البرنامج الديني شبه مستحيلة في إعلامنا اللبناني، يمكن استبدال البرامج الدينية ببرامج اجتماعية تثقيفية للأطفال تعرض القيم الاجتماعية المشتركة ما بين الأديان السماوية كالصدق والتسامح والمحبة دون الدخول في الأديان. وإذا كان الأهل يريدون لأطفالهم تعلم الدين، يمكنهم تسجيلهم في مدارس دينية. وإن كان الكبار يريدون التعمق أكثر بالمواضيع الدينية، فكثرة الكتب والمراجع الالكترونية حول هذه المواضيع وافية أكثر بكثير من الإعلام. فدور البرامج الدينية في الإعلام ما هو إلا تكريساً للطائفية السياسية والمذهبية. وفي النهاية، يمكننا أن نقول أن الدين هو جزء من التربية ولكل شخص مفهومه له وهو بذاته يختار علاقته به. والبيت هو المكان الأنسب لتعلّم الدين والاطلاع عليه...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق