"حليب التين"..

لم تستغرق قراءتي لرواية "حليب التّين" للكاتبة الفلسطينية سامية عيسى أكثر من يوم واحد... استمتعت بالقراءة ولم أنم قبل إنهائها...

تعرض الرواية جانباً من حياة الفلسطينيين في المخيمات في لبنان، وحرمانهم من أبسط حقوقهم... لم أكن أعرف حقيقة الحياة في المخيمات. لم أدخل يوماً مخيم عين الحلوة في مدينة صيدا، المدينة التي أعيش فيها، ولم أعرف حقيقة الاكتظاظ إلا من خلال رؤيتي للبيوت الصغيرة المسقوفة بـ"الزينكو". كنت أتساءل كيف تعيش عائلة فلسطينية كبيرة داخل بيت من تلك البيوت الصغيرة..

استطاعت سامية عيسى نقل الصورة الحقيقية والمعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في مخيمات الدول العربية وتحديداً المخيمات الفلسطينية في لبنان "عين الحلوة، أوزو، صبرا وشاتيلا...". وتنقل الرواية فكرة انعدام الخصوصية لدى الفلسطينيين بعد التهجير الى خارج أرضهم، ليصبح المرحاض العمومي الفسحة الوحيدة الذي قد يمارس فيه الفرد جزءً من تلك الخصوصية. وتنتقل الأحداث لتلقي الضوء على الضغوط التي تمارس على الفلسطينيات للحصول على لقمة العيش، وما حدث مع صديقة مثالٌ بسيط عن الهجرة الى الخارج والوقوع في يد دفعتها لامتهان الدعارة...

أكثر ما أعجبني في الرواية هو أسلوب الكاتبة في سرد الأحداث وانتقالها فجأة من زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر، ومن شخصية إلى شخصية أخرى، واستخدامها العودة بالزمن إلى الوراء (flash back) مما يجعل القارئ يربط بين الشخصيات والأحداث التي تجري... فلا تتضخ معالم كل شخصية منذ بداية الرواية، بل يكوّن القارئ المعرفة التدريجية بالشخصية من خلال مقاطع وأحداث قد تكون قديمة تفسر سلوك الشخصيات لكن لم تذكرها الكاتبة في بداية الرواية... هذا الأسلوب يبعد الملل والرتابة ويضفي واقعية وتشويق.

وتصور الرواية، الصادرة عن دار الآداب اللبنانية في 125 صفحة، آلام وعذابات النساء الفلسطينيات اللواتي يعشن في المخيمات المكتظة. ويمكن اعتبار الرواية رواية نسائية إذ يغيب عنها الوجه الذكوري ولا يظهر إلا للدلالة على ظلم المرأة وحرمانها من التمتع بلذات الحياة. وتصور عيسى في "حليب التين" المرأة الفلسطينية امرأةً تعيسةً مهمومة، وهي في كثير من الأماكن لاتزال كائناً منسياً، ومعاناتها في مخيماتنا بلا حد، ومحرومة من كثير ممن يحفظ لها خصوصيتها، أما المتعة فلفظة لا حيز لها في قاموس أغلبية نساء المخيم.

استحضار التفاصيل الدقيقة جعل من الرواية مرآة للواقع. فعندما تقرأ الرواية تشعر وكأنما عيسى تعرف شخصيات الرواية جميعهم وخاصة الأبطال. فتبدو الرواية قليلة التخيّل، وتُدخلك الكلمات الوصفية في صلب الأحداث، لتُشعرك كأنك تعيش في الرواية وتشعر بكل المواقف التي تعيشها بطلتا الرواية، صديقة وفاطمة. وأعجبتني جرأتها في التحدث عن تفاصيل الجنس والعادة السرية بعفوية، بعيداً عن التصنع الذي لجأ اليه الكثيرون في الروايات التي تتطرق الى الجنس..

كثيرة هي الروايات والكتب التي تناولت القضية الفلسطينية والأمور التي عانى منها الشعب الفلسطيني بعد تهجيره، لكن لم يجرأ أحد أن يتحدث عن المآسي التي عاشتها المرأة الفلسطينية بشكل خاص وعن الحرمان من أبسط حقوق الحياة. ولم يجرأ أحد التحدث عن الجنس وربطه بطريقة أو بأخرى بالقضية الفلسطينية... سامية عيسى كسرت حاجزاً كبيراً واستطاعت الاجابة عن أسئلة كثيرة تدور في ذهن الكثيرين حول تفاصيل من حياة الفلسطينيين والفلسطينيات في لبنان. وعرضت صورة واضحة تنقل فيها التفاصيل بواقعية لا تعرف الانتقاء. وإذا كان البعض قد انتقد التطرق الى تعابير جنسية أو وصف المرحاض، فالواقع هو الذي فرض اللغة والكلمات لكي يعرف الناس حقيقة الحياة التي عاشها وما زال يعيشها اللاجؤون الفلسطينيون.

في الختام، يمكن القول بأن "حليب التين" نجحت في تصوير جانباً هاماً من معاناة فلسطينين في المهجر لم يجرأ أحد التطرق إليه. جانب الجنس واحدٌ من معاناة كبيرة هي تبدأ بالحرمان من الدراسة والعمل وممارسة الحياة الطبيعية والتمتع بكثير من الحقوق المدنية. "حليب التين" روايةٌ فيها الكثير من الألم.. وهي رواية ممتعة وشيقة وتستحق أن تُقرأ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق