صيدا زعيمة المدن الفينيقية و ثالث ولايات بلاد الشام

صيدا ، او صيدون وفق التسمية التاريخية ، المدينة الساحلية التي وجدت قبل خمسة الاف سنة ، نراها اليوم تنمو وتتطور ، لتتربع في صدر المدن التاريخية في لبنان والشرق، وهي آخذة في التطور والازدهار على مختلف الاصعدة، فاذا نظرت الى صيدا القديمة التي كانت في الماضي ، تجد مدينة مختلفة عما هي عليه اليوم ، الا ان ما يميزها هذا الخليط بين التاريخ والحداثة المنتشر في احيائها وزواياها.

فالاحياء الضيقة في داخل المدينة ، اضافة الى البيوت الاثرية العتيقة ، ما زالت موجودة . تتجول داخل الاحياء ، فترى ازدحام المتاجر القديمة بالناس والاحياء ضيقة جدا ومسقوفة ، ولا تمر السيارات في شوارعها الداخلية، في رقعة جغرافية ضيقة تجد كل حاجاتك ، وبمجرد ان تدخل في بقعة من بقعها تجد كل انواع السلع والبضائع ، فهنا سوق الصاغة والمجوهرات ، وهناك سوق النجارين ، وهنالك سوق البزركان ، في كل شارع من شوارع تلك المدينة الموغلة بالتاريخ ، تنتشر الاسواق الشعبية .

ما علاقة المدينة القديمة بصيدا الحديثة؟؟ سؤال اجاب عليه الباحث التاريخي والاجتماعي الدكتور طلال المجذوب بان صيدا القديمة لم تفقد الرابط مع بقية انحاء صيدا،لان سكانها لم يفقدوا الرابط مع بقية انحاء المدينة، حيث ان سكان المدينة الحديثة كانوا يعيشون في المدينة القديمة المترسخة في ذاكرتهم وذاكرة ابنائهم ، وانا واحد من هؤلاء الذين خرجوا من المدينة القديمة ، وما زلت على علاقة بحاراتها وزواريبها وشوارعها.

ومسؤولية الحفاظ على الاحياء والبيوت العتيقة في المدينة القديمة،برأي مجذوب،تقع على عاتق المؤسسات الرسمية،وهي مسؤولية مديرية الاثار ووزارتي البيئة والسياحة،ولا بد من دور متكامل بين الجهات الثلاث،ويوضح .. يمكن ان يصدر قرارات او مراسيم تحدد البيوت الاثرية،وتفرض على مالكه عملية ترميم علمية حفاظا على قيمته،وعلى وزارة السياحة ان تقوم بخطوات من شأنها ان تضيف حوافز لتشجيع السياحة وانعاش الحياة في المدينة القديمة .ان تركيبة المجتمع داخل الاحياء القديمة تختلف بين الماضي والحاضر ، فاليوم لم يعد المجتمع الصيداوي مؤلفا من الصيداويين، بعد ان اصبح عدد عائلات المدينة متدن في المدينة القديمة.

ويتوقف مجذوب عند المستوى المعيشي للعائلات التي تسكن صيدا القديمة ، فيعتبره متواضعا ، ويقول ان معظمهم يعتمد في معيشته على مصدر رزق داخل الاحياء،من المتاجر والمطاعم الصغيرة والافران المتواضعة والمقاهي القديمة ومحال الحلويات الشعبية. ويؤكد جازما بان لصيدا دور تاريخي لعبته في العهود السابقة،وهي التي تزعمت المدن الفينيقية لثلاثمئة سنة،وهي التي كانت ثالث ولاية في بلاد الشام .

صاحب محترف تراثي

يقول صلاح الدين المهتار ، صاحب محترف حرفي يعنى باحياء التراث، عند احدى زوايا ساحة باب السراي ، للاسف هناك اهتمام صوري في صيدا القديمة ، ودور الدولة غائب في مجال تنمية المدينة القديمة، معظم البيوت والمحال موجودة منذ ايام فخر الدين ، وهي تقع بقرب خان الافرنج ، الخان الذي كان يقيم فيه فخر الدين، وقد اغلقت هذه المحال قسرا لمدة سنة تقريبا، بسبب اعمال الحفريات التي جرت لتأهيل ساحة باب السراي، مشيرا الى ان حركة السوق في صيدا القديمة انكمشت منذ ثلاث سنوات ، وسجل تراجع في عمل المحترف الذي يملكه،ويقول بمرارة "اوضاع المحترف شي بيبكي"، فضلا عن ان حركة السياحة ضعيفة جدا،وتكاد تقتصر السياحة على حركة تسجل في عدد من المعالم الاثرية، ومنها القلعة البحرية،... يصمت لبرهة ويسألنا.. وين السياحة ؟.

... وسوق النجارين

تغادر باب السراي، لتتوجه نحو سوق النجارين، فتجد الحركة مختلفة نسبيا، ويقول احمد ابو ظهر الذي يدير مشغلا لصناعة الحرفيات الخشبية، ورثه من ابيه الذي ورثه بدوره من جده،هنا سوق النجارين، ولهذا اطلق عليه هذا الاسم،والمعروف عن صيدا القديمة ان احياءها كانت موزعة وفق المهن التي كانت سائدة،هنا سوق النجارين وهناك سوق الصاغة وسوق البزركان، في الماضي كانت هذه الاسواق مزدهرة،اما اليوم فهي تحتضر،ويضيف .. كثيرون من اصحاب المهن الحرفية هجروا مهنتهم والتحقوا بمهنة اخرى، لان مهنتنا لم تعد قادرة على تأمين معيشة العائلة، وحركة السوق ضعيفة رغم اننا نصادف مرور سياح اجانب، لكن ينقصنا اهتماما بالحرف التراثية القديمة ، واذا استمر الوضع على حاله فان هذه المهن ستنقرض.

صيدا المدينة المتوغلة في التاريخ والتي تتربع على شاطئ البحر، والتي شهدت الكثير من التبدلات عبر حقبات وازمنة، ما زالت تفخر باحيائها القديمة ، وبتراثها ، وتفرح لبقاء تاريخ مجدها وزوايا تراثها، لكن، وبالرغم من اهمية صيدا القديمة ، الا ان الصورة الحقيقية للمدينة ، ليست معالم اثرية وتاريخية فقط ،لان داخل هذه المعالم هناك مئات العائلات تتعايش مع المعاناة المعيشية الحادة ، في ظروف حياتية، هي اقل بكثير من الحد الادنى المقبول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق