اعتقدوا أنها ماتت، لكنّها بقيت حيّة!

داليا حسين، شهيدة حية نـزفت دماً وألماً، وكان جسدها معبراً إلى حياة أشد قسوة على طفلة من حقها أن تمشي وتركض وتلعب وتلهو وتترنم. كانت داليا ما تزال طفلة في السادسة من عمرها تهوى الركض واللعب وكانت تلميذة مجتهدة تحب الرياضيات، لكن قذيفة اسرائيلية أصابتها في رأسها في آب 2006 وحولتها رغم سلسلة عمليات جراحية في لبنان وايطاليا، الى طفلة مقعدة وحرمتها النطق.

كان يوم الثّامن من آب 2006 حين أصيب المنزل الذّي هجّرت إليه عائلة داليا في الغازية بقذيفة أطلقتها البارجة الإسرائيلية. وكانت العائلة قد تركت منزلها في بلدة البازورية، قضاء صور، إلى منزل في بلدة الغازية ظنّا منها أن هذا يؤمن لها أكثر أمناً. كانت الجدّة تحضّر الطعام منتظرةً زوجها وأحفادها لجلب اللبن من الدكّان القريب من الساحة ومن إن وصلوا إلى باب المنزل حتى وقع المنزل على رؤوسهم جميعاً. أصيب عبدالله حسين (والد داليا) ومصطفى وفاطمة (أخوا داليا) وجدّاها بجروح واستشهدت داليا كما ظن الجميع. قالت عليا ديب (والدة داليا) : "ما ان عادوا الى المنزل حتى سقطت قذيفة اسرائيلية. شاهدت زوجي وابني مصطفى يصرخان والدماء تغطي وجهيهما فيما كانت داليا ملقاة على الارض بدون حراك وظن الجميع انها قتلت على الفور".

نقل المسعفون داليا الى مستشفى غسان حمود في مدينة صيدا وكانت موضوعة على نقّالة لإدخالها لبرّاد الموتى. خيّمت أجواء البكاء والحزن في العائلة على فقدان داليا إلّا أن خبراً وصلهم فجأةً "داليا ما زالت على قيد الحياة!"

كانت داليا ممددة وملفوفة بحرام من الصّوف حين صادف تواجد مصور لوكالة الصحافة الفرنسية محمود زيّات في المستشفى لتصوير الجثث والجرحي. إقترب من الشهيدة لالتقاط صورة لها. قال المصوّر: "لا ادري كيف أزيح الحرام ورأيت صدرها يعلو يهبط. كانت تتنفس" ، وأضاف "لم أصدق عيني ، إلتقطت صورة لها وناديت الأطباء لأقول لهم أنها ما تزال حية."

نقلت داليا على الفور إلى العناية الفائقة لخطورة إصابتها، وبقيت غائبة عن الوعي عشرة ايام وأمضت ما يقارب الشهرين في العناية المركزة. وفي هذه الفترة كانت العائلة تنادي داليا ولا أحد يجيب. كانت داليا مصابة إصابة بليغة في رأسها طاولت مباشرة دماغها. وقد قال الأطباء أن إحتمال بقائها على قيد الحياة لا يتعدى نسبة واحد بالمئة.

خضعت داليا لسلسلة عمليات جراحية في رأسها. في 28 أيلول نقلها الصليب الأحمر الايطالي الى أحد مستشفيات إيطاليا حيث أمضت نحو سبعة أشهر خضعت خلالها لست عمليات جراحية. رافقت عليا ديب ابنتها الى ايطاليا في رحلة علاجها الطويل. بذل الأطباء ما بوسعهم لإيصال داليا إلى ما هو عليه اليوم حيث خضعت لعدة عمليات جراحية في الرأس بسبب ارتجاج الدماغ مما أفقدها النطق. وفي تموز2007 عادت داليا إلى منزل عائلتها في مسقط رأسها في بلدة البازورية في جنوب لبنان.

عادت داليا من إيطاليا حية لكن مُقعدة على كرسيّ، وتحملها والدتها بين ذراعيها لتنقلها من غرفة الى أخرى. وبعودتها تغير كل شيء في حياتها، تغيّرت تفاصيل حياتها اليومية، فلم تعد تلهو مع الأطفال، ولم تعد تصرخ أو تركض. فقدت داليا إمكانية النطق، لكنها تتعرف على والدتها ووالدها وعلى أخيها مصطفى وشقيقتها فاطمة وهما توأمان. ومن إيطاليا كان لا بد من متابعة العلاج في لبنان، وقرر الطبيب المشرف على علاجها تبني وضعها ومتابعتها.

على جدار في منزل عبد الله حسين وضعت صورة داليا قبل الحادثة بشعرها الاسود الطويل وعيناها السوداوين. حاليا، تلف داليا رأسها الصغير بمنديل يغطي شعرها القصير لتخفي اثار سلسلة العمليات الجراحية. ويوميا يقوم والدها باصطحابها الى عيادة خاصة في مدينة صور لمتابعة تمارين التأهيل. وفي المنزل تتابع داليا تمارينها على دراجة ثابتة وتحاول عبثا تحريك ساقيها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق