صور الجثث العشوائية في وسائل الإعلام..

أستغرب أن تكون صور الجثث موضوع المنافسة بين وسائل الإعلام بمختلف أشكالها، المرئية والمكتوبة والمواقع الالكترونية، إذ تسارع المحطات التلفزيونية على نشرها لحظة حصولها عليها لتحصل على "السبق الصحفي". وأستغرب أكثر حصول تلك الصور على جوائز عالميّة وألقاب مثل "أفضل صورة"! فعلى أي أساس يتم إعتبار صورة لجثة هامدة، ملطخة بالدماء، ومشوهة، أنها "الصورة الأفضل"؟!

إن موضوع نشر صور الجثث في الاعلام يمثّل إشكالية كبيرة بين الناس، فالبعض يعتبر أنه أمر ضروري لنقل الحقيقة، أما البعض الآخر فيعتبر أنه أمر غير محبذ للجمهور ويجب الحد منه...

كم هو بشع أن ترى صورة جثة مشوهة على شاشة التلفزيون، ولكن كم هو أمرٌ مؤئر أيضاً... أحياناً ، هناك ضرورات لنشر صور الجثث في وسائل الإعلام برأيي ، ربما لإحداث ردة فعل معينة لدى الجمهور أو لدى فئة محددة ولدى الرأي العام المحلي والعربي والعالمي.. في الحروب مثلاً ، تشكل صور الجثث مادة مهمة وضرورية في الوسائل الإعلامية كافة ، وذلك لنقل وحشية العدو الاسرائيلي والجرائم التي يرتكبها ضد حقوق الإنسان ، وللدلالة على همجيته في الاعتداء على الأطفال والمدنيين العزّل . فلولا الصور التي التقطت في حرب تموز للأطفال الشهداء لما تأكد العالم من وحشية العدو الاسرائيلي في عدوانه. ولكن يجب أن يكون هناك معايير أو شروط محددة لنشر صور كهذه: كأن لا تُظهر الصورة وجه الضحية وأن لا تُعرف هويتها من خلال الصورة المنشورة. وذلك احتراماً للجثة ولكي لا يؤثر هذا سلبا على الأهل والأقارب. ولكن عند التقاط الصور للجثث ينبغي احترامها. أخبرني مصورٌ صحافي في وكالة الصحافة الفرنسية أنه، وحين كان في قانا خلال عدوان تموز للقيام بمهمّته الصحافية، رأى إحدى المصورين وهو يغيّر مكان جثة طفلة لالتقاط صورة أفضل وخلفية أفضل لها. وهذا الأمر أثّر في نفسي وأشعرني بكثير من الكراهية والاشمئزاز تجاه ذلك الشخص الذي لم يعير أي احترام لجثة طفلة صغيرة. والمضحك المبكي أن تلك الصورة استحوذت على اهتمام كبير وشاركت في الكثير من المعارض...

ولا بأس إذا نشرت وسائل الإعلام صور الجثث إذا كانت تمس قضايا وطنية ، ولمنع أي إشكالات أو إشاعات . مثلا ، في حالة إغتيال سياسي معين أو شخص معروف لديه سلطة على صعيد محدد ، يمكن نشر صورة جثته لكي يصدق الجمهور أن الخبر ليس بإشاعة . لكن أرى أنه ينبغي التأكد أوّلاً أن عائلة الفقيد لا تمانع نشر الصورة وأن تكون قد عرفت بالخبر ورأته مسبقاً... ويعتبر مثالاً على هذه الحالة، نشر وسائل الإعلام لصورة الشهيد جورج حاوي بُعيد عملية اغتياله ، وهنا بدت هويته في الصورة من خلال الوجه والرأس... وبعد إعلان خبر عملية قتل أسامة بن لادن ، اعتقد الكثيرون أن الخبر مجرّد إشاعة، خاصّة وأن الولايات المتحدة الأميركية لم تعرض صورته؛ وأيضاً بعد اكتشاف أن الصورة الوحيدة التي نشرت في الصحف مفبركة ومبتكرة من خلال برنامج الفوتوشوب الشهير...

أما بالنسبة للجثث التي تسقط إئر حوادث السّير ومختلف الحوادث المختلفة غير المقصودة ، فليس هناك أية ضرورة لأن تبثّ صورها عبر وسائل الإعلام. وفي حال أصرّت وسائل الإعلام المرئية على نشر الصور، ينبغي أن تنبّه الجمهور قبل أن تبثها كأن تقول المذيعة أنّ "التقرير التالي يحتوي على مشاهد مؤذية". فبهذه الحالة يمكن للجمهور أن يقرر مشاهدة أو عدم مشاهدة التقرير، ومنع الأطفال من المشاهدة... ومن الأفضل أن تمتنع وسائل الإعلام عن إظهار صور الجثث بتاتاً، خاصة أن هذا الأمر سيأتي بنتائج سلبية وليس إيجابيّة.

وختاماً، أرى أنّه من الأفضل سن قوانين تحترم أصحاب الجثث وتحمي عائلاتها وتحدّد معايير وشروط نشر صور الجثث في وسائل الإعلام، ومراقبة آلية تطبيقها، ليس فقط على صعيد نشر الصور بل أيضاّ من خلال الحديث. مثلاً، في حادثة سقوط الطائرة الأثيوبية، تحدّث وزير الصحة حينها عن "أشلاء من الأرجل/ جثة بلا رأس/ أيدي..." وهذا يدل على الاستخفاف بالجثث وعدم احترامها بتاتاً، وهو أمرٌ غير مقبول...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق